إعتصام تضامني مع المناضل جورج إبراهيم عبدالله في ساحة رياض الصلح،   و خطبة لأخيه د.جوزف عبدالله

 

جرى في 4/4/2007 في ساحة رياض الصلح، إعتصام للتضامن مع المناضل جورج إبراهيم عبدالله، وقد احتشد المآة من أصدقاء ومناصري جورج للتضامن معه والتعبير عن امتعاضهم من التعسف الفرنسي بالتعاطي مع جورج عبدالله ولا مبالات السلطات اللبنانية...

 

نص خطاب د. جوزف عبدالله

يا صامدين في خيام الحرية، صابرين على حكومة بلا شرعية،

يا شعب لبنان العظيم بلا مرية

يا مبددي أوهام الأكثرية النيابية

يا وائدي الفتنة المذهبية، دعاة للوحدة الوطنية

السلام عليكم، وبعد

 

بمناسبة التضامن مع أسيرنا جورج إبراهيم عبدالله، قائد مجموعة "الفصائل الثورية اللبنانية المسلحة"، الذي اعتقلته السلطات الفرنسية منذ العام 1984، بهذه المناسبة نستذكر من سبقه إلى الأسر، نستذكر رفيقيه: المناضلة البطلة جوزفين سركيس عبدو من القبيات عكار، والمناضل أحمد المعكوري من بلدة البيرة عكار أيضاً، وقد أمضى كل منهما بضع عشرة سنة في السجون الإيطالية...

 

بمناسبة التضامن مع أسيرنا جورج عبدالله تحضرنا صورة الأسرى القدامى والجدد، كالأسير يحي السكاف وسمير القنطار وغيرهما في سجون الكيان الصهيوني، والأسير المحرر أنيس النقاش وغيره الكثيرين ممن بقي في سجون الاتحاد الأوروبي. كما تحضرنا صورة الأسرى، وإن كنا لا نعرفهم، في السجون الحضارية جداً في غوانتانامو وأبو غريب.

 

الأسرى أيها الأحبة عنوان التضحية والبذل والعطاء بلا حدود، لا يفوقهم في ذلك غير الشهداء وهم أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر، بحق. هؤلاء الأسرى، ومنهم جورج عبدالله، جعلوا من المقاومة مشروع حياة، ومن الجهاد قضية عيش، وفي عذابات أسرهم وآلامه يبقى مصدر أملهم باستمرار المقاومة. لم يحمل هؤلاء بطاقة تأمين على حياتهم وحريتهم، بل حملوا بطاقة مقاومة.

 

بمناسبة الكلام على أسر هؤلاء الأحبة تحتشد صور الماضي بآلامه وعذاباته وآماله، ويحضر هذا الماضي بكل ما فيه في حاضرنا المفعم بكبير الانتصارات وعظيم الآمال بالمقاومة...

 

بمناسبة التضامن مع الأسير جورج عبدالله تحضرنا صورة ماضٍ فرضت فيه العربدة الدولية كياناً مصطنعاً على جنوبي وطننا في فلسطين، وهي الأسير الأكبر والأقدم. ومن هذا الكيان تحضرنا صورة العدوان المستمر على لبنان، لاسيما منذ اجتياح الجنوب في العام 1978.

 

ومن ذلك الماضي، عدوان العام 1982 الشامل على وطننا واحتلال بيروت والثورة العارمة التي أحدثها في نفوس العديد من المناضلين اللبنانيين والعرب الذين اندفعوا يجوبون العالم في محاولات منهم لملاحقة الصهاينة وأربابهم رداً على ما لحق بشعبنا من ضيم ومظالم. فكان جورج عبدالله واحدة من تلك المحاولات الكفاحية الصادقة التي تتغاضى دول النظام العالمي الجائر، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، عن نبل دوافعها الإنسانية العارمة، تلك الدوافع النابعة من عمق جراح شعبنا ومن تراثه الحضاري والديني العريق ومن ثروة الإنسانية جمعاء في حق الشعوب بمقاومة الظلم القومي. رفض جورج عبدالله زواريب الطائفية البغيضة التي رافقت الحرب الأهلية والعدوان الصهيوني. ومارس المقاومة واجباً عليه لا خياراً أمامه.

 

المقاومة، التي كان الأسير جورج عبدالله من جنودها الطليعيين انطلقت بداية من حق واضح تكفله شرائع السماء وقوانين الأرض. فحيثما حل العدوان، استولد المقاومة حكماً. ونحن شعب على حيوية تكفيه لصد العدوان بالمقاومة.

 

ما بين أسر جورج عبدالله واليوم، تغيرت أمور كثيرة، واستجدت قضايا مثيرة، وسقطت أوهام كبيرة، وظهرت حقائق منيرة، غيرت في تاريخ لبنان، وجددت في مشروع الأمة العربية والإسلامية.

 

ففي لبنان تصلب عود المقاومة بالإقدام والتضحيات العظام. فدحرت العدو الصهيوني عن معظم الأرض اللبنانية المحتلة في ربيع عام 2000. وانتصرت في رد العدوان على لبنان في صيف العام 2006، ذلك العدوان الأشبه بحرب عالمية تقودها الولايات المتحدة ويؤيدها الاتحاد الأوروبي، وتباركها أنظمة الذل العربي. وكان وقع الانتصار مدوياً لأنه أسس لوحدة وطنية لبنانية عميقة الجذور بفضل احتضان الشعب اللبناني لمقاومته ومقاوميه، ذلك الاحتضان القائم على روح ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر. ومن ذلك أن ورقة التفاهم تشكل نوعاً من الخلفية لوحدة قوى المعارضة اللبنانية التي تعبرون عنها في صمودكم هنا في ساحة رياض الصلح وساحة الشهداء.

 

وكان وقع الانتصار مدوياً على الكيان الصهيوني الذي ما يزال يتخبط في تداعيات هزيمته وارتداداتها على مؤسسته العسكرية وأحزابه السياسية وإداراته المدنية. والأهم من كل ذلك أن هزيمة العدوانية الصهيونية الأميركية في عدوان تموز كشف نهاية وظيفة الكيان الإسرائيلي ونهاية دوره كقوة حماية لأنظمة وكيانات مهمتها تخديم المشاريع الاستعمارية. وليس أدل على ذلك من استعجال الكيان الصهيوني لاستقدام القوات الدولية رغم محاولات الإدارة البوشية في إطالة أمد العدوان بلا طائل.

وفي حال الأمة العربية والإسلامية تتصاعد المقاومة في أفغانستان والعراق وفلسطين ومؤخراً المقاومة الصومالية التي تنزل بالأثيوبيين، البدل عن الضائع الأميركي، الخسائر الجسام.

تقوم هذه المقاومات، وفي الطليعة منها المقاومة اللبنانية وحاضنتها المعارضة الوطنية، وخصوصاً مقاومات مثلث مصنع الحضارة التاريخي، باعتراف الكثير من المؤرخين، بغداد وبيروت والقدس، بالمهمة التاريخية في فرض الفشل والانحسار على مجمل المشروع الاستعماري الغربي بكتلتيه الأميركية والأوروبية. فمن المعروف تاريخياً أن من يسيطر على المنطقة الممتدة من بلاد ما بين النهرين مروراً ببلاد الشام وصولاً إلى سيناء، يصبح مؤهلاً للسيطرة على العالم. ودور المقاومات هنا في العراق وفلسطين ولبنان باستنادها إلى القلب في دمشق هو بالتحديد التمهيد لانحسار كبير في الهيمنة الأميركية الصهيونية على العالم. لاسيما وأن الأمور تتجه نحو نوع من التواصل والتفاهمات بين أمم الشرق الأوسط الإسلامي: العرب والفرس والترك.

 

ولعل أهم تأثير لانتصارات المقاومات، خصوصاً انتصار تموز، هو ما تجلى في القمة العربية في الرياض. فلولا هذه الانتصارات لما شهدنا عودة الروح إلى جسم النظام الإقليمي العربي. لقد كشفت المقاومات خطورة الدور الأميركي الصهيوني في المنطقة، وضعفه وتهاويه. وكانت بداية السقوط المهين في رفض الشعب الأميركي بالذات لمشاريع بوش، بدأ هذا الرفض في مؤسسات الإعلام الأميركية التي روجت بداية لأكاذيب بوش وإدارته في تبرير العدوان، ثم انتقل الرفض إلى أوساط القيادات العسكرية، وأوساط المثقفين ومؤسسات الفكر، وبلغ ذروته في الانتخابات النصفية التي أتت بأغلبية للحزب الديمقراطي في مؤسستي الكونغرس، بعد أن بلغت شعبية بوش مستويات دنيا للغاية في استطلاعات الرأي.

 

لقد سقطت رهانات بوش في الحرب الأهلية الفلسطينية بفضل صمود حركة حماس، فكان اتفاق مكة رغم أنف السيدة كوندي؛ وسقط رهانه بكسب معركة السيطرة على بغداد باستقدام المزيد من الجنود فبعد شهر ونصف على خطة بغداد ازداد منسوب الخسائر الأميركية ومنسوب الحوادث الأمنية، فكانت العودة إلى خطة بيكر هاملتون التي تقضي بالتفاهم مع إيران وسورية على معالجة الوضع العراقي؛ وفشل مشروع الفتنة المذهبية عبر صبر المعارضة اللبنانية وحرصها الأكيد على الوحدة الإسلامية والوطنية، وعبر الاتصالات السعودية مع قيادة حزب الله وحركة أمل، وبالتواصل مع الجمهورية الإسلامية في إيران. ومن هنا جاءت اليقظة السعودية لمخاطر الانجراف خلف إدارة بوش ومشاريعه، فاتجهت وجهة التفاهم مع سورية.

 

وكان الظن أن هذه التفاهمات العربية العربية (والسعودية السورية تحديداً) ستنتج انفراجاً لبنانياً سريعاً. ولكن الأمور جاءت بعكس حسن الظن. فإذا بقوى الرابع عشر من شباط تنحو منحى التصعيد بابتزاز ورقة المجلس النيابي والاستناد إلى القوى الخارجية الفرنسية والأميركية وصولاً إلى البند السابع لإقرار المحكمة ذات الطابع الدولي. فضلاً عن التصعيد الإعلامي، والممارسات الميليشيوية في مواجهة قوى المعارضة (لنتذكر ما حصل في بلدية المنية وبر الياس وفي برجا وشحيم...).

 

لماذا لم ينعكس التقارب العربي السعودي السوري انفراجاً في لبنان؟

من الوهم الظن أن الأزمة اللبنانية هي أزمة المحكمة ذات الطابع الدولي، أو هي أزمة يمكن حلها بشعار لا غالب ولا مغلوب، أو هي أزمة قوى المعارضة التي تشكل امتداداً لسورية وإيران، كما يزعمون.

 

الأزمة أزمة نظام. فعندما يقوم الفريق الحاكم، الأكثرية النيابية، بتجاوز الدستور والقوانين وبالتمرد عليها، في محاولة لإعادة صياغته وتفسيره على هواها، فمعنى ذلك أن هذا الدستور بات عاجزاً عن استيعاب الحياة السياسية وإدارة تناقضاتها. كما يعني لجوء هذه الأكثرية إلى الانتحار السياسي بتمردها هي ومن موقع السلطة على الدستور. وحل هذا الأمر لا يكون بغير وضع قانون انتخابي جديد، وإجراء انتخابات مبكرة.

 

الأزمة أزمة وظائف كيان. لقد تم بناء الكيان اللبناني للقيام بوظيفة تخديم المشاريع الاستعمارية ومنها خدمة الكيان الصهيوني، وعندما ظهر العجز عن تخديم هذه الوظيفة بدأ البعض ينحو باتجاه تعديل هذا الكيان نحو الفيدرالية وغيرها على قاعدة دعوة كوندي إلى تغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة. وفي هذا السياق تأتي ورقة التفاهم والدعوة لصياغة إستراتيجية دفاعية كمدخل لتجاوز هذه الأزمة.

 

الأزمة أزمة نظام اقتصادي. لقد تبين أن النظام الاقتصاد اللبناني الليبرالي بات عاجزاً عن تلبية انخراطه في العولمة الرأسمالية النيوليبرالية ببلوغه مديونية هائلة سيتبين عجزه عن معالجتها بالطرق العادية.

 

هذه الأزمات الثلاث تجعل لبنان مفتوحاً على احتمال أن تستمر الأزمة في تآكل الأوضاع اللبنانية وازدياد التوترات السياسية- الطائفية والمناطقية ما قد يؤدي إلى دخول لبنان في غيبوبة بانتظار ما ستؤدي إليه التطورات الإقليمية.

 

بالعودة إلى أسيرنا جورج عبدالله نقول: ما يعزي الأسير في أسره، في سره وعلنه، هو بقاء المقاومة حتى انتصارها، ففي ذلك بقاؤه حراً، سواء تحرر أو استمر في الأسر. والتضامن مع الأسير لفك سوار أسره، هو بالتضامن مع المقاومة. والمقاومة متى كانت من نوع مقاومة الوعد الصادق واحتضانها من روحية ورقة التفاهم مع التيار الوطني الحر لا تترك مجالاً للخشية من إهمال لأسير. نحن مطمئنون إلى أن جميع الأسرى هم في طريقهم إلى الحرية. بما في ذلك فك اسر لبنان بكامله من سوار هذه الحكومة البتراء وغير الشرعية.

والسلام عليكم...

 

۩المصدر: لجنة أهل وأصدقاء الأسير المناضل جورج إبراهيم عبدالله۩

جميع الحقوق محفوظة